…ومن الأمثلة التي تضمّنت توجيهاته صلوات ربي وسلامه عليه، في هذا الجانب، موقفه تجاه الأعرابي الذي قاطع حديثه، وناداه وهو يتكلم مع غيره؛ فكان موقفه صلى الله عليه وسلم، السكوت عنه، وعدم التجاوب لِخَطئِه؛ وكان اتِّخاذ هذا الموقف هو الخطوة الأولى في علاجه، أما الخطوة الثانية فهي تأجيل الردُّ عليه إلى بعد الانتهاء من الحديث؛ وهذا السلوك اقتضاه أدب التخاطب، لإصابة غاية تعليمه وتوعيته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم، في مجلس يُحدِّثُ القومَ جاءَه أعرابي فقال: متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُحدِّثُ، فقال: بعضُ القوم: سمِعَ ما قال فكرِهَ ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثَهُ قال:"أين أُراهُ السائل عن الساعة؟". قال: ها أنا يا رسول الله، قال:"فإذا ضُيِّعتِ الأمانة فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال:"إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"). (1) قال الحافظ ابن حجر في الباب الذي تضمن هذا الحديث: (قوله:"باب من سئل علمًا وهو مشتغل"مُحصِّلُه التنبيه على أدب العالم والمتعلم، أما العالم فلما تضمّنه من ترك زجر السائل، بل أدّبه بالإعراض عنه أولًا حتى استوفى ما كان فيه، ثم رجع إلى جوابه فرفق به، لأنه من الأعراب، وهم جفاة. وفيه العناية بجواب سؤال السائل، ولو لم يكن السؤال متعيّنًا ولا الجواب، وأما المتعلم فلما تضمّنه من أدب السائل أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، لأنّ حقّ الأول مُقدّم..) . (2)
(1) صحيح البخاري، كتاب العلم، ، باب: (2) من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل. الحديث رقم: (59) . ص: (16) .
(2) فتح الباري: (1/193) .