ومنها، ما يهبه الإسلام لصاحب الحق من حرية المطالبة بالحق، وعدم الحيلولة بينه وبين ذلك، على أن تكون المطالبة محكومة بالأدب الخطابي. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغلظ له، فهمّ به أصحابُه، فقال:"دعوه، فإن لصاحب الحق مقالًا"واشتروا له بعيرًا فأعطوه إياه، وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنِّهِ، قال:"اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنُكم قضاء"). (1) قال الحافظ ابن حجر في قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن لصاحب الحق مقالًا) : (أي صولةُ الطّلبِ، وقوّة الحجّة، لكن مع مراعاة الأدب المشروع) . (2)
وختامًا؛ هذه جملة من الأحاديث النبوية المطهرة التي تضمّنت آدابًا للتخاطب؛ في صورٍ متعددة؛ منها ما كان في مجال العقيدة، ومنها ما كان في المجالات الاجتماعية، ومنها ما كان في مجالات الذوق العام. وجميعها أسهمت في بيان وإبراز القيم الخطابية في الإسلام، وإبراز عناية النبي صلى الله عليه وسلم، بهذا الجانب؛ فتزكية الخطاب الإنساني نموذج من نماذج التزكية النبوية المطهرة العامة لأمة الإسلام. وهو أمر يقدِّم صورة مُشرِقةً لحقيقة عظمة الإسلام، وحقيقة عظمة النبي الإنسان، صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة:
الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وبعد،،،
فهذه جولة مباركة في السيرة الخَطابية العطرة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تم فيها إلقاء الضوء على بعض القضايا التي أبرزت جانبًا من جوانب القيم الحضارية في السنة النبوية، وعرضت الكيفيات التي عالج الرسول صلى الله عليه وسلم، من خلالها جانب التخاطب الحضاري؛ بالإرشاد والتوجيه اللفظي والسلوكي، وبالقدوة.
(1) صحيح البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب: (4) : استقراض الإبل. الحديث رقم: (2390) . ص: (315) .
(2) فتح الباري: (5/336) .