وهذه الخيرية باقية في الأمة ما دامت قائمة على المهمة التي كلفت بها، واختيار السبيل الأمثل في الدعوة، كما في قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل:125] .
ولعل أفضل وسيلة للدفاع عن النبي- صلى الله عليه وسلم - التعريف بجوانب شخصيته المختلفة حتى يعلم الذين أساءوا له أي شخص أساءوا له، وأي جريمة اقترفوا بنيلهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقد تناولت في بحثي أحد الجوانب التي تعرف بشخصية النبي- صلى الله عليه وسلم - وهو:"منهج النبي- صلى الله عليه وسلم -في التربية والتعليم"؛ وذلك لما لهذا الجانب من أثر بالغ في نهضة الأمة العلمية والثقافية، فشخصية النبي- صلى الله عليه وسلم - التربوية؛ شخصية فريدة من نوعها، حيرت علماء التربية قديمًا وحديثًا، إذ كيف لرجل أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولد في مجتمع فشا فيه الظلم والجهل والفساد، يحكمه قانون القوة، وتسوده شريعة الغاب، استطاع في أقل من ربع قرن أن يصنع من هذا المجتمع تاريخًا يخيل لناظره أنه ضرب من الأساطير، فقد حوّل البداوة إلى حضارة، والفرقة إلى وحدة، والضعف إلى قوة، والأمية إلى علم، وحوّل الحفاة العراة إلى خير أمة أخرجت للناس؟؟
فالتربية النبوية حققت نجاحًا باهرًا ليس له مثيل في تاريخ البشرية، فقد أوصل النبي- صلى الله عليه وسلم - المجتمع الإسلامي إلى مستوى لم يستطع كبار الفلاسفة والمفكرين والمصلحين على مدى العصور السابقة واللاحقة أن يصلوا بمجتمعاتهم إليه، وأثبت أن التربية الإسلامية تستطيع تغيير الأنفس والمجتمعات والوصول بها إلى المثالية الواقعية.