الْمُقْتَتِلَتَيْنِ مُؤْمِنَةً وَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا وَلَوْ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الْحُجُرَاتِ: 9] ثُمَّ لَمْ يَنْفِ عَنْهُمُ الْأُخُوَّةَ أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ لَا فِيمَا بَيْنَ الْمُقْتَتِلِينَ, وَلَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ أُثْبِتَتْ أُخُوَّةُ الْإِيمَانِ لَهُمْ مُطْلَقًا فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الْحُجُرَاتِ: 10] .
وَكَذَلِكَ فِي آيَةِ الْقِصَاصِ أَثْبَتَ الْإِيمَانَ لِلْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَثْبَتَ لَهُمْ أُخُوَّةُ الْإِيمَانِ فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [الْبَقَرَةِ: 178] وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"1 سَمَّاهُمْ أَيْضًا مُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا كَذَلِكَ, فَقَالَ فِي صِفَةِ الْخَوَارِجِ"وَتَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ"2.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَهْلَ الشَّامِ هُمَا الْفِرْقَتَانِ اللَّتَانِ مَرَقَتِ الْخَوَارِجُ مِنْ بَيْنِهِمَا وَقَدِ اقْتَتَلَا قِتَالًا عَظِيمًا, فَسُمِّيَ الْجَمِيعُ مُسْلِمِينَ, وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِبْطِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ:"إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ, وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَيْنَ فِرْقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ"3, فَأَصْلَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي عَامِ الْجَمَاعَةِ, وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْعَمَلِ فِسْقًا أَوْ عَامِلِهِ فَاسِقًا, وَبَيْنَ تَسْمِيَتِهِ مُسْلِمًا وَجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ فِسْقٍ يَكُونُ كُفْرًا, وَلَا كُلُّ مَا سُمِّيَ كُفْرًا وَظُلْمًا يَكُونُ مُخْرِجًا مِنَ الْمِلَّةِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى لَوَازِمِهِ وَمَلْزُومَاتِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ وَالنِّفَاقِ جَاءَتْ فِي النُّصُوصِ عَلَى قِسْمَيْنِ:
1 تقدم ذكره.
2 مسلم"2/ 745/ ح1065"في الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
3 البخاري"7/ 94"في فضائل أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما، وفي الصلح وفي الأنبياء وفي العتق.