فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 1229

تَعَالَى: فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِثْبَاتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ رَأَى رَبَّهُ1, وَبِيَقِينٍ يَعْلَمُ كُلُّ عَالِمٍ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي يُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَالْآرَاءِ وَالْجَنَانِ وَالظُّنُونِ, وَلَا يُدْرَكُ مِثْلُ هَذَا الْعِلْمِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ إِمَّا بِكُتَّابٍ أَوْ بُقُولِ نَبِيٍّ مُصْطَفًى, وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَبَّهُ بِرَأْيٍ وَلَا ظَنٍّ لَا وَلَا أَبُو ذَرٍّ وَلَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. نَقُولُ كَمَا قَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ لَمَّا ذُكِرَ اخْتِلَافُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا عَائِشَةُ عِنْدَنَا أَعْلَمَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ, نَقُولُ عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ عَالِمَةٌ فَقِيهَةٌ, كَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ دَعَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ أَنْ يُرْزَقَ الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ. وَهَذَا الْمَعْنَى مِنَ الدُّعَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ, وَقَدْ كَانَ الْفَارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُهُ عَنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ فَيَقْبَلُ مِنْهُ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ وَأَقْدَمُ صُحْبَةً لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِذَا اخْتَلَفَا فَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ قَدْ أَعْظَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ شَيْئًا نَفَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, وَالْعُلَمَاءُ لَا يُطْلِقُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ, وَإِنْ غَلِطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ خَالَفَ سُنَّةً أَوْ سُنَنًا مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ تَبْلُغِ الْمَرْءَ تِلْكَ السُّنَنُ, فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ مَنْ أَثْبَتَ شيئا لم ينفعه كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ, فَتَفْهَمُوا هَذَا لَا تُغَالِطُوا. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ كُنْتُ قَدِيمًا أَقُولُ إِنَّ عَائِشَةَ حَكَتْ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَرَ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْلَمَهَا ذَلِكَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ لَعَلِمَ كُلُّ عَالِمٍ يَفْهَمُ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ, إِذْ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لَمْ أَرَ رَبِّي قَبْلَ أَنْ يَرَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ, ثُمَّ يَسْمَعُ غَيْرُهَا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ رَأَى رَبَّهُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ رَبَّهُ, فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مِنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ قَبُولَ خَبَرِ مَنْ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى رَبَّهُ2. انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

1 قد تقدم أنه أثبت رؤية المنام لا اليقظة.

2 ابن خزيمة في التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل"ص225-230"باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت