فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 1229

عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَكَيْفِيَّةَ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَشَرَائِطَهَا, وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَرْجِعُهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ, فَإِنَّهُمْ لَا تَسْتَمِرُّ لَهُمْ طَرِيقٌ إِلَّا بِشَخْصٍ خَاصٍّ عَلَى شَكْلٍ خَاصٍّ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهِ, وَمِنْ هُنَا اتَّخَذَ أَصْحَابُ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْكَوَاكِبِ أَصْنَامًا زَعَمُوا أَنَّهَا عَلَى صُوَرِهَا, فَوَضْعُ الصَّنَمِ إِنَّمَا كَانَ فِي الْأَصْلِ عَلَى شَكْلِ مَعْبُودٍ غَائِبٍ فَجَعَلُوا الصَّنَمَ على شكله وهيئته وَصُورَتِهِ؛ لِيَكُونَ نَائِبًا مَنَابَهُ وَقَائِمًا مَقَامَهُ, وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَاقِلًا لَا يَنْحِتُ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا بِيَدِهِ ثُمَّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِلَهُهُ وَمَعْبُودُهُ.

وَمِنْ أَسْبَابِ عِبَادَتِهَا أَيْضًا أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ فِيهَا وَتُخَاطِبُهُمْ مِنْهَا وَتُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ وَتَدُلُّهُمْ عَلَى بَعْضِ مَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يُشَاهِدُونَ الشَّيْطَانَ, فَجَهَلَتُهُمْ وَسَقَطُهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الصَّنَمَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ الْمُخَاطِبُ1، وَعُقَلَاؤُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ تِلْكَ رُوحَانِيَّاتِ الْأَصْنَامِ, وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهَا الْمَلَائِكَةُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهَا هِيَ الْعُقُولُ الْمُجَرَّدَةُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هِيَ رُوحَانِيَّاتُ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ, وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ بَلْ إِذَا سَمِعَ الْخِطَابَ مِنَ الصَّنَمِ اتَّخَذَهُ إِلَهًا وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَفْتُونُونَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ, وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا إِلَّا الْحُنَفَاءُ أَتْبَاعُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَعِبَادَتُهَا فِي الْأَرْضِ مِنْ قَبْلِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَمَا تَقَدَّمَ وَهَيَاكِلُهَا وَوُقُوفُهَا وَسَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا وَالْكُتُبُ المصنفة في شرائع عِبَادَتِهَا طَبَقُ الْأَرْضِ. قَالَ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إِبْرَاهِيمَ: 35, 36] ، وَالْأُمَمُ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْوَاعِ الْهَلَاكِ كُلُّهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ كَمَا قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ, وَأَنْجَى الرُّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ. وَيَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ كَثْرَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ

1 انظر تفصيل ذلك في"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة"لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت