[الزُّمَرِ: 7] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِعِبَادِهِ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمُ الْعُسْرَ, وَأَنَّهُ يَرْضَى لَهُمُ الشُّكْرَ وَلَا يَرْضَى لَهُمُ الْكُفْرَ, مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ والشكر والكفر واقعا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرَهِ وَخَلْقِهِ وَتَكْوِينِهِ وَمَشِيئَتِهِ, قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزُّمَرِ: 62] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [الْقَمَرِ: 49] وَالْمَقْصُودُ أَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ لِذَاتِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ وَخَلْقِهِ وَتَكْوِينِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ, وَالسِّحْرُ مِنَ الشَّرِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 102] وَهُوَ الْقَضَاءُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ, فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ بِذَلِكَ شَرْعًا, وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ, حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- وَدَعَاهُ ثُمَّ قَالَ:"أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ, إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ"قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ قَالَ: فَبِمَاذَا؟ قَالَ: مِشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ, قَالَ: فَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذي أروان"قالت: فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصَحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ:"وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ, وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ:"لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَشَفَانِي, وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا"وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ1. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ:"وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ مُنَافِقًا, قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مِشْطٍ وَمُشَاقَةٍ قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ"وَذَكَرَهُ2. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ, الْمُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّعْرِ وَالْمِشْطُ أَسْنَانُ مَا
1، 2 البخاري"10/ 221"في الطب، باب السحر وفي باب هل يستخرج السحر؟"10/ 232"وفي الجهاد باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟ وفي الأدب باب قول الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِِ وَالْإِحْسَانِ} .
ومسلم"4/ 1719/ ح2189"في السلام، باب السحر.