فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 1229

وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ1. انْتَهَى مَا سُقْنَا مِنْ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ فَشَفَى وَكَفَى. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ مُرْتَبِطٌ بِامْتِثَالِ الشَّرْعِ, وَامْتِثَالَ الشَّرْعِ مُرْتَبِطٌ بِالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ, وَانْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ مُحَالٌ:

فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَدَرِ مَعَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الشَّرْعِ وَمُحَارَبَتِهِ بِهِ مُخَاصَمَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ وَشَرْعِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ, وَطَعْنٌ فِي حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ, وَانْتِقَادٌ عَلَيْهِ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ, وَخَلْقِ الْجَنَّةِ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُصَدِّقِينَ بِهَا, وَخَلْقِ النَّارِ لِأَعْدَائِهِ الْمُكَذِّبِينَ, وَنِسْبَةٌ لِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَعْدَلِ الْعَادِلِينَ -الْحَكِيمُ فِي خَلْقِهِ وَشَرْعِهِ, الْعَدْلُ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَحُكْمِهِ- إِلَى الْعَبَثِ وَالظُّلْمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

وَكَذَلِكَ الِانْقِيَادُ فِي الشَّرْعِ مَعَ نَفْيِ الْقَدَرِ وَإِخْرَاجِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ قُدْرَةِ الْبَارِي وَجَعْلِهِمْ مُسْتَقِلِّينَ بِهَا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ طَعْنٌ فِي رُبُوبِيَّةِ الْمَعْبُودِ وَمَلَكُوتِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى الْعَجْزِ وَوَصْفِهِ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ الْإِلَهِيَّةَ وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا مِمَّا لَا يُبْدِئُ وَلَا يُعِيدُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا, تَعَالَى رَبُّنَا وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ وَجَلَّ وَعَلَا عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ الْجَاحِدُونَ الْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. بَلِ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ هُوَ نِظَامُ التَّوْحِيدِ, كَمَا أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تُوَصِّلُ إِلَى خَيْرِهِ وَتَحْجِزُ عَنْ شَرِهِ, وَاسْتِعَانَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا هُوَ نِظَامُ الشَّرْعِ, وَلَا يَنْتَظِمُ أَمْرُ الدِّينِ وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِالْقَدَرِ وَامْتَثَلَ الشَّرْعَ كَمَا قَرَّرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ ثُمَّ قَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ

"لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"2.

فَمَنْ نَفَى الْقَدَرَ رَغْمَ مُنَافَاتِهِ لِلشَّرْعِ فَقَدْ عَطَّلَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ, وَجَعَلَ الْعَبْدَ مُسْتَقِلًّا بِأَفْعَالِهِ خَالِقًا لَهَا, فَأَثْبَتَ خَالِقًا مَعَ اللَّهِ

1 من طريق الهجرتين وباب السعادتين"ص215"انظرها بتحقيقي ونشر دار ابن القيم.

2 تقدم تخريجه سابقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت