فهرس الكتاب

الصفحة 1145 من 2516

فإذا كان لا يشفع عند اللّه أحد إلا بإذنه، فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول الشفاعة، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( اشفعوا تؤجروا، ويقضى اللّه على لسان نبيه ما شاء ) .

وإذا دعاه الداعى، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء، وقبل الشفاعة لم يكن هذا مؤثرًا فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه ـ سبحانه ـ هو الذى جعل هذا يدعو وهذا يشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذى وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذى وفقه للعمل ثم أثابه عليه، وهو الذى وفقه للدعاء ثم أجابه، فما يؤثر فيه شىء من المخلوقات، بل هو ـ سبحانه ـ الذى جعل ما يفعله سببًا لما يفعله .

وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن اللّه خالق كل شىء و أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شىء إلا بمشيئته، وهو خالق أفعال العباد، كما هو خالق سائر المخلوقات . قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن اللّه خالق أفعال العباد .

ولكن هذا يناقض قول القَدَريِة، فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذى يحدث، ويخلق أفعاله بدون مشيئة اللّه وخلقه، لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له، فبدعائه جعله مجيبًا له وبتوبته جعله قابلا للتوبة، وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة .

وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه .

فإن ( الإذن ) نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق، وإذن بمعنى الإباحة والإجازة .

فمن الأول: قوله في السحر: { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } [ البقرة: 102 ] فإن ذلك بمشيئة الله تعالى وقدرته، وإلا فهو لم يبح السحر .

والقدرية تنكر هذا ( الإذن ) . وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن اللّه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت