فهرس الكتاب

الصفحة 1955 من 2516

قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله:

فصل

سورة [ التكاثر ] ، قيل فيها: { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } [ التكاثر: 2 ] ، تنبيها على أن الزائر لابد أن ينتقل عن مزاره، فهو تنبيه على البعث .

ثم قال: { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ التكاثر: 3 ،4 ] ، فهذا خبر عن علمهم في المستقبل؛ ولهذا روي عن على أنه في عذاب القبر، ثم قال: { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } [ التكاثر: 5 ] ، فهذا إشارة إلى علمهم في الحال، والخبر محذوف، أي: لكان الأمر فوق الوصف، ولعلمتم أمرًا عظيمًا، ولألهاكم عما ألهاكم، فإن الالتهاء بالتكاثر، إنما وقع من الغفلة وعدم اليقين، كما قال: { كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } [ الأعراف: 136 ] ،ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) . وحَذْفُ جواب لو كثير في القرآن، تعظيمًا له وتفخيمًا، فإنه أعظم / من أن يوصف أو يتصور بسماع لفظ، إذ المخبر ليس كالمعاين؛ ولهذا اتبع ذلك بالقسم على الرؤية التي هي عين اليقين، التي هي فوق الخبر الذي هو علم اليقين، فقال: { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } [ التكاثر: 6 ،7 ] ،وهذا الكلام جواب قسم محذوف مستقبل، مع كون جواب لو محذوفًا كما تقدم، في أحد القولين . وفي الآخر: هو متعلق بلو، لكن يقال: جواب لو إنما يكون ماضيًا، فيقال: لرأيتم الجحيم . كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو تكونون على الحال التي تكونون عندي، لصافحتكم الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم ) ، ولو كان ماضيًا فليس مما يؤكد بل يقال: لو يجيء، لأجيء . وجواب هذا أنه جواب قسم محذوف سد مسد جواب لو . كقوله: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام: 121 ] ، وله نظائر في القرآن وكلام العرب، فإن الكلام إذا اشتمل على قسم وشرط، وكل منهما يقتضي جوابه، أجيب الأول منهما، وهو - هنا - القسم، وهو المقصود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت