فهرس الكتاب

الصفحة 1956 من 2516

وعلى هذا القول، يكون المعنى: والله لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم بقلوبكم، والأول هو المشهور، ومن المفسرين من لم يذكر سواه، وهو الذي أثروه عن متقدميهم، ويدل على صحته وأنه الحق أن قوله: { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } ، { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ } ،معطوف على ما قبله، فيكون داخلًا في حيزه، فلو كان الأول معلقًا بالشرط،لكان المعطوف عليه / كذلك، وهو باطل؛ لأن رؤيتها عين اليقين، والمسألة عن النعيم ليس معلقًا بأن يعلموها في الدنيا علم اليقين .

وأيضًا، فتفسير الرؤية المطلقة برؤية القلب ليس هو المعروف من كلام العرب .

وأيضًا، فيكون الشرط هو الجواب، فإن المعنى -حينئذ- لو علمتم علم اليقين، لرأيتم بقلوبكم، وذلك هو العلم، فالمعنى: لو علمتم لعلمتم، وهذا لا يفيد . ولو أريد بمشاهدة القلب قدر زائد على مجرد العلم، فهذا معلوم أن من علم الشيء أمكنه أن يجعل مشاهدًا له بقلبه .

وأيضًا، فهذا المعنى لو كان مفيدًا، لم يكن مما يستحق القسم عليه، فإنه ليس بطائل .

وأيضًا، فقوله: { لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } ، لم يذكر المعلوم، حتى يستلزم العلم به العلم بالجحيم، فإن أريد معلوم خاص، فلا دليل في الشرط عليه، حتى يصح الارتباط . وإن أريد المعلوم العام ـ وهو ما بعد الموت ـ فذاك يستلزم العلم بالجحيم وغيرها، وهذا فيه نظر . فقد يسأل ويقال: قوله: { سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ، لم يذكر / فيه المعلوم بل أطلق، ومعلوم أن كل أحد سوف يعلم شيئًا لم يكن علمه، وجوابه: أن سياق الكلام يقتضي الوعيد والتهديد، حيث افتتحه بقوله: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } .

وأيضًا، فمثل هذا الكلام قد صار في العرف يستعمل في الوعيد ـ غالبًا ـ أو في الوعد . وإذا كان العلم مقيدًا بالسياق اللفظي، وبالوضع العرفي، فقوله: { لَوْ تَعْلَمُونَ } هو ذاك العلم، أخبر بوقوعه مستقبلا، ثم علق بوقوعه حاضرًا، وقيد المعلق به بعلم اليقين، فإنهم قد يعلمون ما بعد الموت، لكن ليس علمًا هو يقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت