فهرس الكتاب
والداعى غير المأذون له، إذا أجاب دعاءه، فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الإذن ولا بهذا الإذن،كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره، والله تعالى يقول: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة: 255 ] .
فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن اللّّه الشرعى، وإن كان خالقًا لفعله ـ كشفاعة نوح لابنه، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن أبّى بن سلول، حين صلى عليه بعد موته . وقوله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } قد قلتم: إنه يعم النوعين، فإنه لو أراد الإذن القدرى لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر . ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه، وما لا يكون بإذنه، ولو أراد الإذن الشرعى فقط، لزم قول القدرية، وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعى ؟
قيل: المنفى من الشفاعة بلا إذن هى الشفاعة التامة، وهى المقبولة، كما في قول المصلى: ( سمع اللّه لمن حمده ) أى: استجاب له، وكما في قوله تعالى: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] ، وقوله { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا } [ النازعات: 45 ] ، وقوله: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق: 45 ] ، ونحو ذلك .
فإن الهدى، والإنذار، والتذكير، والتعليم، لابد فيه من قبول المتعلم، فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود، وإلا قيل: علمته فلم يتعلم، كما قيل: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [ فصلت: 17 ] ، فكذلك الشفاعة .