فهرس الكتاب
بخلاف ما إذا قيل: لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه؛ فإن هذا لا نظير له في القرآن، واللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه، أو لمن ارتضى، ونحو ذلك . لا يقال في هذا المعنى: ( من دونه ) ؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه ؟ لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه .
وأيضًا، فإذا قيل: { بَّذٌينّ يّدًعٍونّ } مطلقًا، دخل فيه الرب تعالى؛ فإنهم كانوا يدعون اللّه، ويدعون معه غيره؛ ولهذا قال: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } [ الفرقان: 68 ] .
والتقدير الثالث: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه، وهذا أجود من الذي قبله، لكن يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على الأول .
ومما يضعفهما أن الشفاعة لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } فنفى ملكهم الشفاعة مطلقًا . وهذا هو الصواب . وإن كل من دعى من دون اللّه لا يملك الشفاعة؛ فإن المالك للشيء هو الذي يتصرف فيه بمشيئته وقدرته،والرب ـ تعالى ـ لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فلا يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال، ولا يقال في هذا: { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إنما يقال ذلك في الفعل، فيقال: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة: 255 ] .