ومن عادة المنافقين المجادلة عن أنفسهم بالكذب والأيمان الفاجرة، وصفهم اللّه بذلك في غير موضع . وفى قصة تبوك لما رجع النبى صلى الله عليه وسلم، وجاء المنافقون يعتذرون إليه، فجعل يقبل علانيتهم، ويَكِل سرائرهم إلى الله، فلما جاء كعب قال: والله يا رسول اللّه لو قعدت بين يدي ملك من ملوك الأرض لقدرت أن أخرج من سخطه؛ إنى أوتيت جدلًا، ولكن أخاف إن حدثتك حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن اللّه أن يسخطك علىّ، ولئن حدثتك حديث صدق تَجِد [ أى: تغضب . انظر: المصباح المنير، مادة: وجد ] علىّ فيه إنى لأرجو فيه عفو الله . لا والله ما كان لي من عذر، واللّه ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ( أما هذا فقد صدق ) يعني: والباقي يكذبون ثم إنه هجره مدة، ثم تاب اللّه عليه ببركة صدقه .
فالاعتذار عن النفس بالباطل والجدال عنها لا يجوز، بل إن أذنب سرًا بينه و بين الله اعترف لربه بذنبه، وخضع له بقلبه، وسأله مغفرته وتاب إليه؛ فإنه غفور رحيم تواب، وإن كانت السيئة ظاهرة تاب ظاهرًا، وإن أظهر جميلًا وأبطن قبيحًا تاب في الباطن من القبيح، فمن أساء سرًا أحسن سرًا، ومن أساء علانية أحسن علانية فإن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين .