فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 2516

وكان كذب هؤلاء على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف؛ فإنهم قالوا: إنه ساحر، وإنه كاهن، وإنه مجنون، وإنه/مُفْتَر . وكل واحدة من هؤلاء أعظم من الزنا والقذف؛ لا سيما الزنا المستور الذي لا يدري به أحد . فإن يوسف كذب عليه في أنه زني، وأنه قذفها وأشاع عنها الفاحشة؛ فكان الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف .

وكذلك الكذب على أولي العزم، مثل نوح وموسي، حيث يقال عن الواحد منهم: إنه مجنون، وإنه كَذَّاب، يكذب على اللّه، وما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى المشركين أعظم من مجرد الحبس، فإن يوسف حُبِسَ وسُكِت عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يؤذون بالأقوال والأفعال مع منعهم من تصرفاتهم المعتادة .

وهذا معنى الحبس، فإنه ليس المقصود بالحبس سكناه في السجن، بل المراد منعه من التصرف المعتاد . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له حبس، ولا لأبي بكر، بل أول من اتخذ السجن عمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسَلِّمُ الغريم إلى غريمه، ويقول: ( ما فعل أسيرك ؟ ) ، فيجعله أسيرًا معه، حتى يقضيه حقه، وهذا هو المطلوب من الحبس .

والصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ منعوهم من التصرف بمكة أذى لهم، حتى خرج كثير منهم إلى أرض الحبشة، فاختاروا السكنى بين أولئك النصارى عند ملك عادل على السكنى بين قومهم، والباقون / أُخرجوا من ديارهم وأموالهم ـ أيضًا ـ مع ما آذوهم به، حتى قتلوا بعضهم، وكانوا يضربون بعضهم ويمنعون بعضهم ما يحتاج إليه، ويضعون الصخرة على بطن أحدهم في رَمْضَاء [ الرَّمْضَاء: الحجارة الحامية من حر الشمس ] مكة، إلى غير ذلك من أنواع الأذي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت