وأيضًا، فقوله: { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } قد يكونوا ظنوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم، فتبين الأمر بخلافه، فهذا جائز عليهم كما سنبينه، فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه، ثم تبين الأمر بخلافه ظن أن ذلك كذب، وكان كذبا من جهة ظن في الخبر ما لا يجب أن يكون فيه .
فأما الشك فيما يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون، وسنوضح ذلك ـ إن شاء الله تعالي .
ومما ينبغي أن يعلم أنه ـ سبحانه ـ ذكر هنا شيئين: أحدهما: استيئاس الرسل . والثاني: ظن أنهم كذبوا . وقد ذكرنا لفظ: ( الظن ) ،فأما لفظ: ( استيأسوا ) ، فإنه قال سبحانه: { حّتَّي"إذّا \سًتّيأّسّ برٍَسٍل } ولم يقل: يئس الرسل، ولا ذكر ما استيأسوا منه، وهذا اللفظ قد ذكره في هذه السورة: { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } [ يوسف: 80 ] ."
وقد يقال: الاستيئاس ليس هو الإياس؛ لوجوه:
أحدها: أن إخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية، فإن قول كبيرهم: { فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } دليل على أنه يرجو أن يحكم الله له . وحكمه هنا لابد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم، وإلا فحكمه له بغير ذلك لا يناسب قعوده في مصر لأجل ذلك .