الوجه الرابع: أن الاستيئاس استفعال من اليأس، والاستفعال / يقع على وجوه: يكون لطلب الفعل من الغير، فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية، يقال: استخرجت المال من غيري، وكذلك استفهمت، ولا يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس، فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه؛ ولأن استيأس: فعل لازم لا متعد .
ويكون الاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره ، وهذا يكون في الأفعال اللازمة كقولهم: استحجر الطين، أي: صار كالحجر . واستنوق الفحل ، أي: صار كالناقة . وأما النظر فيما استيأسوا منه ، فإن الله ـ تعإلى ـ ذكر ذلك في قصة إخوة يوسف حيث قال: { فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ } .
وأما الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه، بل أطلق وصفهم بالاستيئاس، فليس لأحد أن يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا به، وأخبروا بكونه، ولا ذكر ابن عباس ذلك .
وثبت أن قوله: { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } لا يدل على ظاهره، فضلا عن باطنه: أنه حصل في قلوبهم مثل تساوي الطرفين فيما أخبروا به، فإن لفظ الظن في اللغة لايقتضي ذلك، بل يسمي ظنًا ما هو من أكذب الحديث عن الظان؛ لكونه أمرا مرجوحا في نفسه . واسم / اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم القلب وعمله وتصديقه، وعدم تصديقه وسكينته وعدم سكينته، ليست هذه الأمور بمجرد العلم فقط، كما يحسب ذلك بعض الناس، كما نبهنا عليه في غير هذا الموضع؛إذ المقصود هنا الكلام على قوله: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ } .