وروي مسلم في صحيحه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: ( لو لم تفعلوا هذا لصلح ) . قال: فخرج شيصًا [ في المطبوعة: ( سبتا ) ، والمثبت من مسلم ] فمر بهم فقال: ( ما لنخلكم [ في المطبوعة:( لفحلكم ) ، والمثبت من مسلم ] ؟ ) قالوا: قلت: كذا وكذا . قال: ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) [ والشيصُ: التمر الذي لايشتد نواه ويقوي، وقد لا يكون له نوي أصلا ] . وروي ـ أيضا ـ عن موسي بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله، قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: ( ما يصنع هؤلاء ؟ ) فقال: يلَقِّحُونه يجعلون الذكر في الأنثي فَتَلْقَحُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أظن يغني ذلك شيئًا ) فأخبروا بذلك فتركوه . فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنني / ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حَدَّثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ) .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا حدثنا بشيء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب على الله، فهو أتقانا للّه، وأعلمنا بما يتقي، وهو أحق أن يكون آخذًا بما يحدثنا عن اللّه، فإذا أخبره اللّه بوعد كان علينا أن نصدق به، وتصديقه هو به أعظم من تصديقنا، ولم يكن لنا أن نشك فيه، وهو ـ بأبي ـ أولي وأحري ألا يشك فيه، لكن قد يظن ظنًَا، كقوله: ( إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن ) ، وإن كان أخبره به مطلقًا فمستنده ظنون، كقوله ـ في حديث ذي اليدين ـ: ( ما قصرت الصلاة ولا نسيت ) .
وقد يظن الشيء ثم يبين الله الأمر على جليته، كما وقع مثل ذلك في أمور، كقوله تعالى: { إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } [ الحجرات: 6 ] ، نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم لما ظن صدقه، حتى أنزل الله هذه الآية .