فهرس الكتاب

الصفحة 1676 من 2516

وقد قال تعالى: { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } [ النمل: 65 ] ، فاستثني نفسه، والعالم { مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } . ولا يجوز أن يقال: هذا استثناء منقطع؛ لأن المستثني مرفوع، ولو كان منقطعًا لكان منصوبا . والمرفوع على البدل، والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ، كأنه قال: ( لا يعلم الغيب إلا اللّه ) . فيلزم أنه داخل في: { مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } .

وقد قدمنا أن لفظ ( السماء ) يتناول كل ما سما، ويدخل فيه السموات، والكرسي، والعرش، وما فوق ذلك؛ لأن هذا في جانب النفي، وهو لم يقل هنا: السموات السبع، بل عم بلفظ: ( السموات ) . وإذا كان لفظ ( السماء ) قد يراد به السحاب، ويراد به الفلك، ويراد به ما فوق العالم، ويراد به العلو مطلقًا، فـ ( السموات ) : جمع ( سماء ) ، وكل من فيما يسمي ( سماء ) ، وكل من فيما يسمي ( أرضًا ) لا يعلم الغيب إلا اللّه .

/ وهو ـ سبحانه ـ قال: { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن } ، ولم يقل: [ ما ] ، فإنه لما اجتمع ما يعقل وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه بـ [ من ] لتكون أبلغ، فإنهم مع كونهم من أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا اللّه .

وهذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين الذي قال فيه: { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } [ الجن: 26 ] . والغيب المقيد ما علمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس وشهدوه، فإنما هو غيب عمن غاب عنه، ليس هو غيبًا عمن شهده . والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبًا مقيدًا، أي: غيبًا عمن غاب عنه من المخلوقين، لا عمن شهده، ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين قاطبة .

وقوله: { عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } [ الزمر: 46 ] ، أي عالم ما غاب عن العباد مطلقًا ومعينًا وما شهدوه، فهو ـ سبحانه ـ يعلم ذلك كله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت