فهرس الكتاب

الصفحة 1725 من 2516

كما قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن قوله: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍُ } [ النساء: 17 ] ، فقالوا لي: [ كل من عصى اللّه فهو جاهل ] . وكذلك قال مجاهد، والحسن البَصْري، وغيرهم من العلماء التابعين ومن بعدهم .

وذلك أن الحصر في معنى الاستثناء، والاستثناء من النفي إثبات عند جمهور العلماء . فنفي الخشية عمن ليس من العلماء؛ وهم العلماء به الذين يؤمنون بما جاءت به الرسل، يخافونه .

قال تعالى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [ الزمر: 9 ] . وأثبتها للعلماء . فكل عالم يخشاه . فمن لم يخش اللّه فليس من العلماء، بل من الجهال، كما قال عبد اللّه بن مسعود: [ كفي بخشية اللّه علمًا، وكفي / بالاغترار باللّه جهلًا ] . وقال رجل للشَّعبي: [ أيها العالم ! ] فقال: [ إنما العالم من يخشى اللّه ! ] .

فكذلك قوله: { سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى } [ الأعلى: 10 ] ، يقتضى أن كل من يخشاه فلابد أن يكون ممن تذكر . وقد ذكر أن الأشقى يتجنب الذكرى، فصار الذي يخشى ضد الأشقى . فلذلك يقال: ( كل من تذكر خشى ) .

والتحقيق أن التذكر سبب الخشية، فإن كان تامًا أوجب الخشية؛ كما أن العلم سبب الخشية، فإن كان تامًا أوجب الخشية .

وعلى هذا، فقوله في قصة فرعون: { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [ طه: 44 ] ، جعل ذلك نوعين لما في ذلك من الفوائد:

أحدها: أنه إذا تذكر أنه مخلوق وأن اللّه خالقه، وليس هو إلهًا وربّا كما ذكر، وذكر إحسان اللّه إليه . فهذا التذكر يدعوه إلى اعترافه بربوبية اللّه وتوحيده وإنعامه عليه . فيقتضى الإيمان والشكر، وإن قدر أن اللّه لا يعذبه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت