فهرس الكتاب

الصفحة 1778 من 2516

وكثير من الناس يكون هذا في فطرته وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف في أصول الدين على طريقة النفاة الجبرية ـ أتباع جهم . وهذا موجود في عامة ما يقوله المبطلون ـ يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في اعتقادهم البِدْعِى .

وقد ذكر أبو عبد الله ـ ابن الجد الأعلى ـ أنه سمع أبا الفرج ابن الجوزي ينشد في مجلس وعظه البيتين المعروفين:

هب البعثُ لم تأتنا رُسْله ** وجاحمة النار لم تُضرم

أليس من الواجب المستَحَقِ ** حياءُ العباد من المنْعِم ؟

فقد صرح في هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم .

وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق ولو لم يكن وعيد، ولا / رسالة أخبرت بجزاء . وهو يبين ثبوت الوجوب والاستحقاق وإن قدر أنه لا عذاب .

وهذا فيه نزاع قد ذكرناه في غير هذا الموضع، وبينا أن هذا هو الصحيح . ونتيجة فعل المنهي انخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم التي كان فيها وإن كان لا يعاقب بالضرر .

ويبين أن الوجوب والاستحقاق يُعْلم بالبديهة . فتارك الواجد وفاعل القبيح وإن لم يُعَذَّب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه . وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها ـ أن يسلبها . فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد . والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك يُنْقص النعمة ولا يزيد .

مع أنه لابد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار . قال تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } [ التين: 4 - 6 ] ،وهذا مبسوط في مواضع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت