فهرس الكتاب

الصفحة 1817 من 2516

وليس تمييز العلم عن العلم، والإرادة عن الإرادة، تمييزًا مع انفصال أحدهما عن الآخر . بل نفس الصفات المتنوعة ـ كالعلم /، والقدرة، والإرادة ـ إذا قامت بمحل واحد لم ينفصل بعضها عن بعض، بل محل هذا هو محل هذا، كالطعم واللون والرائحة القائمة بالأَتْرُجَّة الواحدة وأمثالها من الفاكهة وغيرها .

فإذا قيل: [ هي علوم وإرادات ] ، لم ينفصل هذا عن هذا بفصل حسي، بل هو نوع واحد قائم بالنفس . وإذا علم هذا بعد علمه بذلك فقد زاد هذا النوع وكثر ـ وإن شئت قلت: عظم . فلا يزيد فيه زيادة الكمية عن زيادة الكيفية .

بل يقال: [ علم كثير، وعلم عظيم ] بأن تكون العظمة ترجع إلى قوته وشرف معلومه، ونحو ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: [ أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ ] قال: { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [ البقرة: 255 ] . فقال: [ لِيَهْنِكَ العلم، أبا المنذر ! ] .

وكتب سلمان إلى أبي الدرداء: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك وَيْعْظُم حلمك .

وانضمام العلم إلى العلم، والإرادة إلى الإرادة، والقدرة إلى القدرة، هو شبيه بانضمام الأجسام المتصلة، كالماء إذا زيد فيه ماء، فإنه يكثر قدره . لكن هو كم متصل لا منفصل، بخلاف الدراهم .

/ فإذا قيل: [ تعددت العلوم والإرادات ] فهو إخبار عن كثرة قدرها وأنها أكثر وأعظم مما كانت، لا أن هناك معدودات منفصلة كما قد يفهم بعض الناس .

ولهذا كان العلم اسم جنس . فلا يكاد يجمع في القرآن، بل يقال: { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ } [ آل عمران: 61 ] ، فيذكر الجنس، كذلك الماء، ليس في القرآن ذكر مياه، بل إنما يذكر جنس الماء: { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا } [ الفرقان: 48 ] ، ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت