فهرس الكتاب

الصفحة 1834 من 2516

وإن قلتم: لا يقين لنا بشيء من الأشياء، بل سلبنا كل علم، فهذه دعوى السفسطة العامة، ومدعيها كاذب ظاهر الكذب . فإن العلوم من لوازم كل إنسان، فكل إنسان عاقل لابد له من علم؛ ولهذا / قيل في حد [ العقل ] : إنه علوم ضرورية، وهي التي لا يخلو منها عاقل .

فلما قال فرعون: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء: 27 ] ، وهذا من افتراء المكذبين على الرسول ـ لما خرجوا عن عاداتهم التي هي محمودة عندهم نسبوهم إلى الجنون . ولما كانوا مظهرين للجحد بالخالق، أو للاسترابة والشك فيه . هذه حال عامتهم ودينهم، وهذا عندهم دين حسن، وإنما إلههم الذي يطيعونه فرعون، قال: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ }

فبين له موسى أنكم الذين سلبتم العقل النافع، وأنتم أحق بهذا الوصف فقال: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }

فإن العقل مستلزم لعلوم ضرورية يقينية، وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق . فلما ذكر أولًا أن من أيقن بشيء فهو موقن به، واليقين بشيء هو من لوازم العقل، بين ـ ثانيًا ـ أن الإقرار به من لوازم العقل .

ولكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه، فإن لم يعمل به صاحبه قيل: إنه ليس له عقل . ويقال ـ أيضًا ـ لمن لم يتبع ما أيقن به: / إنه ليس له يقين . فإن اليقين ـ أيضًا ـ يراد به العلم المستقر في القلب ويراد به العمل بهذا العلم . فلا يطلق: [ الموقن ] إلا على من استقر في قلبه العلم والعمل .

وقوم فرعون لم يكن عندهم اتباع لما عرفوه،فلم يكن لهم عقل ولا يقين . وكلام موسى يقتضي الأمرين: إن كان لك يقين فقد عرفته، وإن كان لك عقل فقد عرفته . وإن ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك، فكذلك قومك، فهذا إقرار منكم بسلبكم خاصية الإنسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت