فهرس الكتاب

الصفحة 1846 من 2516

/ وكذلك كل منهما يستلزم العلم . فإن المعلم لغيره يجب أن يكون هو عالمًا بما علمه إياه، وإلا فمن الممتنع أن يعلم غيره ما لا يعلمه هو . فمن علم كل شيء ـ الإنسان غيره ـ ما لم يعلم، أولى أن يكون عالمًا بما علَّمَه . والخلق ـ أيضًا ـ يستلزم العلم، كما قال تعالى: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك: 14 ] . وذلك من جهة أن الخلق يستلزم الإرادة . فإن فعل الشيء على صفة مخصوصة ومقدار مخصوص دون ما هو خلاف ذلك لا يكون إلا بإرادة تخصص هذا عن ذاك . والإرادة تستلزم العلم . فلا يريد المريد إلا ما شعر به وتصور في نفسه، والإرادة بدون الشعور ممتنعة .

وأيضًا، فنفس الخلق ـ خلق الإنسان ـ هو فعل لهذا الإنسان الذي هو من عجائب المخلوقات . وفيه من الإحكام والإتقان ما قد بهر العقول . والفعل المحكم المتقن لا يكون إلا من عالم بما فعل . وهذا معلوم بالضرورة .

فالخلق يدل على العلم من هذا الوجه، ومن هذا الوجه .

وقد قال في سورة الملك { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } . وهو بيان ما في المخلوقات من لطف الحكمة التي تتضمن إيصال الأمور إلى غاياتها بألطف الوجوه، كما قال يوسف ـ عليه السلام ـ: { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء } [ يوسف: 100 ] . وهذا يستلزم العلم بالغاية المقصودة، والعلم بالطريق الموصل وكذلك الخبرة .

وبسط هذا يطول، إذ المقصود ـ هنا ـ التنبيه على ما في الآيات التي هي أول ما أنزل .

ثم إذا ثبت أنه قادر عالم، فذلك يستلزم كونه حيًا . وكذلك الإرادة تستلزم الحياة .

والحي إذا لم يكن سميعًا بصيرًا متكلمًا، كان متصفًا بضد ذلك من العمى والصمم والخرس، وهذا ممتنع في حق الرب ـ تعالى . فيجب أن يتصف بكونه سميعًا بصيرًا متكلمًا .

والإرادة؛ إما أن تكون لغاية حكيمة، أو لا . فإن لم تكن لغاية حكيمة كانت سفهًا، وهو منزه عن ذلك، فيجب أن يكون حكيما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت