فهرس الكتاب

الصفحة 1866 من 2516

بخلاف ما إذا قيل: [ كان قبل هذا الكلام كلام، وقبل هذا الفعل فعل ] جائز عند أكثر العقلاء ـ أئمة السنة، وأئمة الفلاسفة، وغيرهم .

فإذا قيل: [ هذا الكلام المحدث أحدثه في نفسه ] ، كان هذا معقولًا . وهو مثل قولنا: [ تكلم به ] . وهو معني قوله: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } ،أي: تكلمنا به عربيا، وأنزلناه عربيا .

وكذلك فسره السلف كإسحاق بن راهويه، وذكره عن مجاهد قال: { جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } : قلناه عربيا، ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره، عن إسحاق بن راهويه قال: ذكر لنا عن مجاهد وغيره من التابعين { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } : إنا قلناه ووصفناه . وذكره / عن أحمد بن حنبل، عن الأشجعي، عن سفيان الثوري في قوله: { جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } : بيناه قرآنًا عربيًا .

والإنسان يفرق بين تكلمه وتحركه في نفسه، وبين تحريكه لغيره . وقد احتج سفيان بن عيينة ـ وغيره من السلف ـ على أنه غير مخلوق بأن الله خلق الأشياء بـ [ كن ] . فلو كانت [ كن ] مخلوقة لزم أن يكون خلق مخلوقًا بمخلوق، فيلزم التسلسل الباطل .

وذلك أنه إذا لم يخلق إلا بـ [ كن ] ، فلو كانت [ كن ] مخلوقة، لزم ألا يخلق شيئًا . وهو الدور الممتنع . فإنه لا يخلق شيئًا حتي يقول: [ كن ] ، ولا يقول: [ كن ] حتي يخلقها، فلا يخلق شيئًا . وهذا تسلسل في أصل التأثير والفعل، مثل أن يقال: لا يفعل حتي يفعل، فيلزم ألا يفعل؛ ولا يخلق حتي يخلق، فيلزم ألا يخلق .

وأما إذا قيل: قال: [ كن ] ، وقبل [ كن ] [ كن ] ، وقبل [ كن ] [ كن ] ، فهذا ليس بممتنع . فإن هذا التسلسل في آحاد التأثير، لا في جنسه . كما أنه في المستقبل يقول: [ كن ] بعد [ كن ] ، ويخلق شيئًا بعد شيء إلى غير نهاية .

فالمخلوقات التامة يخلقها بخلقه، وخلقه فعله القائم به، وذلك إنما يكون بقدرته ومشيئته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت