فهرس الكتاب
فالنظار في القرآن ثلاث درجات، منهم من يعرض عن دلائله العقلية . ومنهم من يقر بها لكن يغلط في فهمها . ومنهم من يعرفها على وجهها . كما أنهم ثلاث طبقات في دلالته الخبرية؛ منهم من يقول لم يدل على الصفات الخبرية، ومنهم من يستدل به على غير ما دل عليه . ومنهم من يستدل به على ما دل عليه .
والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية . أخذوا من هؤلاء كلامًا صحيحًا، ومن هؤلاء أصولا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة . فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية . ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية، كأبي المعالى وأتباعه . ومنهم من سلك مسلكهم كأئمة أصحابهم، كما قد بسط في مواضع .
إذًا المقصود - هنا - أن جعل القرآن إمامًا يؤتم به في أصول الدين / وفروعه هو دين الإسلام . وهو طريقة الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين . فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد قط أن يعارض القرآن بمعقول أو رأي يقدمه على القرآن . ولكن إذا عرض للإنسان إشكال، سأل حتى يتبين له الصواب .
ولهذا صنف الإمام أحمد كتابًا في [ الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ] .
ولهذا كان الأئمة الأربعة وغيرهم يرجعون في التوحيد والصفات إلى القرآن والرسول، لا إلى رأي أحد، ولا معقوله، ولا قياسه .
قال الأوزاعي: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن اللّه فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته .
وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا يوصف اللّه إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث .
وقال الشافعي في خطبة [ الرسالة ] : الحمد للّه الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه .
وقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به / واجب، والسؤال عنه بدعة . وكان يكره ما أحدث من الكلام . وروي عنه وعن أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق .