فهرس الكتاب

الصفحة 1946 من 2516

ومما يبين ذلك قوله: { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } ، ولم يقل: [ حتى أتتهم ] . وأولئك لما لم يفهموا معنى الآية ظنوا أن الموضع موضع الماضي، وأن المراد: ما انفكوا عما كانوا عليه ـ إما من كفر، وإما من إيمان ـ حتى أتتهم البينة . فلما قيل: { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } أشكل عليهم . وقال / بعضهم: لما تأتهم كلها .

وأما على المعنى الصحيح، فالموضع موضع المضارع، كقوله تعالى: { مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } [ آل عمران: 179 ] . فإن المراد: ما كانوا مفكوكين متروكين حتى تأتيهم البينة .

وهو - سبحانه - قال: { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا } . و [ لم ] وإن كانت تقلب المضارع ماضيًا فذاك إذا تجرد، فقيل: [ لم يأت ] ، و [ لم يذهب ] فمعناه: [ ما أتي ] و [ ما ذهب ]

وأما إذا قيل: [ لم يكن يفعل هذا ] ، و { لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ْ } [ النساء: 137 ] ، فالمقصود معنى الفعل الدائم مطلقًا . وإذا قيل: [ لم يكن فلان آتيًا حتى يذهب إليه فلان ] ، بخلاف ما إذا قلت: [ لم يكن فلان قد أتي حتى ذهب إليه فلان ] . ولو قيل: [ ما كان فلان فاعلا لهذا حتى يكون كذا ] كان نحو ذاك، بخلاف ما إذا قيل: [ ما كان فلان قد فعل حتى أتى فلان ]

فنفي المضارع الذي خبره اسم فاعل، وهو الدائم . والمراد: لم يكونوا في الحال والاستقبال متروكين حتى تأتيهم البينة . ولو قيل ـ هنا ـ: [ حتى أتتهم البينة ] ، لم يكن موضعه .

/ وكذلك لو أراد الانتهاء عن الكفر والإيمان، لقيل: { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } أي: لم يكونوا يعرفون الحق حتى يأتيهم نبي يعرفهم،أو لم يكونوا متعظين عاملين حتى يأتي من يعظهم ويذكرهم . فليس هذا موضع الماضي، بخلاف ما لو قيل: [ مازالوا كافرين حتى أتاهم ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت