فهرس الكتاب

الصفحة 1959 من 2516

ومن تدبر القرآن، وجد بعضه يفسر بعضًا، فإنه كما قال ابن عباس ـ في رواية الوالبي ـ: مشتمل على الأقسام، والأمثال، وهو تفسير { مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ } / ولهذا جاء كتاب الله جامعًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أعطيت جوامع الكلم ) . وقال تعالى: { كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ } [ الزمر: 23 ] . فالتشابه يكون في الأمثال، والمثاني في الأقسام، فإن التثنية في مطلق التعديد . كما قد قيل في قوله: { ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [ الملك: 4 ] ، وكما في قول حذيفة: كنا نقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي . وكما يقال: فعلت هذا مرة بعد مرة، فتثنية اللفظ يراد به التعديد؛ لأن العدد ما زاد على الواحد، وهو أول التثنية، وكذلك ثنيت الثوب، أعم من أن يكون مرتين ـ فقط أو مطلق العدد ـ فهو جميعه متشابه، يصدق بعضه بعضًا، ليس مختلفًا، بل كل خبر وأمر منه يشابه الخبر؛ لاتحاد مقصود الأمرين، ولاتحاد الحقيقة التي إليها مرجع الموجودات .

فلما كانت الحقائق المقصودة والموجودة ترجع إلى أصل واحد، ـ وهو الله سبحانه ـ كان الكلام الحق فيها خبرًا، وأمرًا متشابهًا، ليس بمنزلة المختلف المتناقض، كما يوجد في كلام أكثر البشر، والمصنفون ـ الكبار منهم ـ يقولون شيئًا ثم ينقضونه، وهو جميعه مثاني؛ لأنه استوفيت فيه الأقسام المختلفة، فإن الله يقول: { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [ الذاريات: 49 ] ، فذكر الزوجين مثاني، والإخبار عن الحقائق بما هي عليه بحيث يحكم على الشيء بحكم نظيره، وهو حكم على المعنى الواحد المشترك ـ خبرًا أو طلبًا ـ خطاب متشابه، فهو متشابه مثاني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت