فهرس الكتاب
/ ولفظ [ ما ] يدل على الصفة بخلاف [ من ] . فإنه يدل على العين، كقوله: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } [ النساء: 3 ] ، أي: الطيب، { وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا } [ الشمس: 5 ] ، أي: وبانيها . ونظيره قوله: { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ } [ البقرة: 133 ] ، ولم يقل: [ من تعبدون من بعدي ] .
وهذا نظير قوله: { وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } سواء . فالمعنى: لا أعبد معبودكم، ولا أنتم عابدون معبودي .
فقوله: { وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } ، يتناول شركهم، فإنه ليس بعبادة الله، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن دعوه وصلوا له .
وأيضًا، فما عبدوا ما يعبده، وهو الموصوف بأنه معبود له على جهة الاختصاص . بل هذا يتناول عبادته وحده، ويتناول الرب الذي أخبر به بما له من الأسماء والصفات . فمن كذب به في بعض ما أخبر به عنه فما عبد ما يعبده من كل وجه .
وأيضًا، فالشرائع قد تتنوع في العبادات، فيكون المعبود واحدًا وإن لم تكن العبادة مثل العبادة . وهؤلاء لا يتبرأ منهم . فكل من عبد الله / مخلصًا له الدين فهو مسلم في كل وقت، ولكن عبادته لا تكون إلا بما شرعه . فلو قال: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي، فقد يظن أنه تدخل فيه البراءة من كل عبادة تخالف صورتها صورة عبادته . وإنما البراءة من المعبود وعبادته .
فَصْل
إذا تبين هذا فنقول: القرآن تنزيل من حكيم حميد، وهو كتاب أحكمت آياته ثم فصلت .