وكذلك ما فسره القاضي عياض من قول المفضلين: إن المراد كثرة الثواب، فهذا لا ينازع فيه الأشعري وابن الباقلاني؛ فإن الثواب مخلوق من مخلوقات اللّه ـ تعالى ـ فلا ينازع أحد في أن بعضه أفضل من بعض، وإنما النزاع في نفس كلام اللّه الذي هو كلامه، فحكايته النزاع يناقض ما فسر به قول المثبتة . وقد بين مأخذ الممتنعين عن التفضيل، منهم من نفي التفاضل في الصفات مطلقًا ـ بناء على أن القديم لا يتفاضل، والقرآن من الصفات ـ ومنهم من خص القرآن بأنه واحد على أصله، فلا يعقل فيه معنيان، فضلا أن يعقل فيه فاضل ومفضول، وهذا أصل أبي الحسن ومن وافقه كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى .
وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم في أن كلام اللّه يكون بعضه أفضل من بعض ـ ليس فيهم أحد من القائلين بأن كلام اللّه مخلوق - كما يقول ذلك من يقوله من أهل البدع كالجهمية والمعتزلة ـ بل كل هؤلاء يقولون: إن كلام اللّه غير مخلوق، ولو تتبع ذكر من قال ذلك لكثروا؛ فإن هذا قول جماهير المسلمين من السلف والخلف أهل السنة وأهل البدعة . أما السلف ـ كالصحابة والتابعين لهم بإحسان ـ فلم يُعْرَفْ لهم في هذا الأصل تَنَازعٌ، بل الآثار متواترة عنهم به .