فهرس الكتاب
فإذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن، وحدثت البدع والفجور، ووقع الشر بينهم، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني الثالثة، سألته ألا يهلك أمتى بسنة عامة فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) . والبأس مشتق من البؤس، قال اللّه تعالى: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ } [ الأنعام: 65 ] ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله تعالى: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } قال ( أعوذ بوجهك ) .
{ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: ( أعوذ بوجهك ) . { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ } قال: ( هاتان أهون ) ، فدل على أنه لابد أن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول في هذه الحال، وهم فيها في جاهلية .
ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج/ أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية . وقد روى مالك بإسناده الثابت عن عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية ـ تعني قوله تعالى ـ: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [ الحجرات: 9 ] ، فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر اللّه ـ تعالى ـ فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية .