فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 2516

فهذا الشر الموجود الخاص المقيد سببه، إما عدم وإما وجود،فالعدم مثل عدم شرط أو جزء سبب؛ إذ لا يكون سببه عدمًا محضًا؛ فإن العدم المحض لا يكون سببًا تامًا لوجود، ولكن يكون سبب الخير واللذة قد انعقد، ولا يحصل الشرط فيقع الألم، وذلك مثل عدم فعل الواجبات الذي هو سبب الذم والعقاب، ومثل عدم العلم الذي هو سبب ألم الجهل وعدم السمع والبصر والنطق الذي هو سبب الألم بالعمى والصمم والبكم، وعدم الصحة والقوة، الذي هو سبب الألم والمرض والضعف .

فهذه المواضع ـ ونحوها ـ يكون الشر ـ أيضًا ـ مضافًا إلى العدم المضاف إلى العبد، حتى يتحقق قول الخليل: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [ الشعراء: 80 ] ، فإن المرض وإن كان ألمًا موجودًا فسببه ضعف القوة، وانتفاء الصحة الموجودة، وذلك عدم هو من الإنسان المعدوم بنفسه، ولا يتحقق قول الحق: { وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [ النساء: 79 ] ، وقوله: { قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } [ آل عمران: 165 ] ونحو ذلك فيما كان سببه عدم فعل الواجب، وكذلك قول الصحابى: وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان .

يببن ذلك أن المحرمات جميعها من الكفر والفسوق والعصيان إنما يفعلها العبد لجهله أو لحاجته، فإنه إذا كان عالما بمضرتها وهو غنى عنها امتنع أن يفعلها، والجهل أصله عدم، والحاجة أصلها العدم .

فأصل وقوع السيئات منه عدم العلم والغنى؛ ولهذا يقول في القرآن: { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } [ هود: 20 ] ، { أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } ؟ [ يس: 62 ] ، { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } [ الصافات: 69،70 ] ، إلى نحو هذه المعانى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت