أولا. إنه يجوز عند الضرورة خروج الداعي من بلده فرارًا من عدوه، ولهذا قبل موسى (- عليه السلام -) نصيحة مؤمن آل فرعون بالخروج من مصر، لأن الملأ من قوم فرعون يتشاورون في قتله، ولا يعدّ هذا الفرار جبنًا من الداعية، لأن الداعي في كرّ وفرّ مع أعداء الله. والداعية إذ يفعل ذلك، فلأن حياته ليست ملكًا له، بل هي ملك الله، ومن الأولى الإبقاء عليها خدمة لدعوته، ولا يجوز له أن يعرضها للهلاك بالبقاء في مواجهة العدو مع عدم التكافئ في القوة بينه وبين عدوه.
ثانيًا. يلمح المتابع أن هناك تشابهًا كبيرًا بين خروج سيدنا موسى (- عليه السلام -) ، وهجرة الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، وما رافقها من ظروف صعبة شبيهة بالتي مرت على موسى (- عليه السلام -) . فلما خشيت قريش من تفاقم أمر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) واتساعه، اجتمعوا في دار الندوة للتشاور فيما يجب أن يفعلوه برسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعض آخر: أخرجوه من مكة، فقال لهم أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من بطون قريش غلامًا وتعطوه سيفًا فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (( 1 ) ). وهنا تتدخل القدرة الإلهية لحمايته (- صلى الله عليه وسلم -) ، فيرسل الله جل وعلا سيدنا جبريل (- عليه السلام -) ليخبر الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بما عزم عليه المشركون، وأخبره بأن الله أذن له بالهجرة إلى المدينة.
(1) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية 30.