فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 289

وقصارى أمره أن يغتر بظوهر هيئة حسنة وعمامة كبيرة وجبة واسعة الأكمام فربما اعتقد المفضول فاضلا. قلنا هذا ليس بعذر فعليه أن يتكلف في الاختيار وسعه قال في الروضة وتبعه الطوفي ويعرف الأفضل بالإخبار وإذعان المفضول له وتقديمه على نفسه في الأمور الدينية كالتلميذ مع شيخه لأنه يفيد القطع بها عادة أو بإمارات غير ذلك مما يفيد القطع أو الظن انتهى. قلت رحم الله الموفق والطوفي فإنهما تكلما على زمانهما. حيث الناس ناس يعرفون الفضيل ويقرون به وأما اليوم فالتقديم بالغنى وقلة الحياء والجهل المركب يعتقد الجاهل في نفسه أنه أعلم العلماء فيزاحم أهل الفضيل ولا يقر لأحد ولو ألقيت عليه أقل مسألة وجم وسكت وقابلك بالسفاهة والحمق ولو قلت له هذا حديث موضوع لقال لك أنت تكذب النبي صلى الله عليه وسلم وعلا صوته وانتفخت أوداجه وجمع عليك العامة وربما أذوك بالضرب والشتم والإخراج عن الدين ومما ابتدع في زماننا أنهم يجمعون أهل العمائم فينتخبون مفتيا ويسمونه رئيس العلماء ثم تقرره الحكومة مفتيا ويحصرون الفتوى فيه فكثيرا ما ينال هذا المنصب الجاهل الغمر الذي لو عرضت عليه عبارة بعض كتب الفروع ما عرف لها قبيلا من دبير فنسأل الله حسن العاقبة. على أن اختصاص واحد بمنصب الإفتاء لا يقبل الحاكم الفتوى إلا منه لم يكن معروفا في القرون الأولى وإنما كان الإفتاء موكولا إلى العلماء الأعلام واستمر ذلك إلى أن دخل السلطان سليم العثماني دمشق سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة من الهجرة وامتلكها فرأى كثرة المشاغبات بين المدعين للعلم خصص إفتاء كل مذهب برجل من علمائه الأفاضل قطعا للمشاغبات ثم طال الزمن فتولى هذا المنصب الجليل كثير ممن لا يدري ما هي الأصول وما هي الفروع فوسد الأمر إلى غير أهله وأعطى القوس غير باريها. هذا فإن استوى المجتهد عند المستفتي في الفضيلة واختلفا عليه في الجواب اختار الأشد منهما لما روى الترمذي من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أشدهما"1 وفي لفظ"أرشدهما"قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب رواه أيضا النسائي وابن ماجه فثبت بهذين اللفظين للحديث أن الرشد في الأخذ بالأشد والأولى أن يعتبر القولين ساقطين لتعارضهما ويرجع إلى استفتاء آخر.

1 رواه ابن ماجه في المقدمة باب: فضل عمار بن ياسر. وأحمد في"م1ص445"وافظه"ابن سمية ما عرض عليه أمران قط إلااختار إلارشد منهما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت