تعطلت الأدلة والأحكام فهذا العقد مما يتوقف عليه الاجتهاد توقف الشيء على جزئه أو شرطه إذا تقرر هذا فاعلم أن الترتيب هو جعل كل واحد من شيئين فأكثر في رتبته التي يستحقها بوجه ما فالإجماع مقدم على باقي أدلة الشرع لكونه قاطعا معصوما عن الخطأ بشهادة المعصوم بذلك ويقدم منه الإجماع القطعي المتواتر ثم الإجماع النطقي الثابت بالآحاد ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر ثم الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد ثم يقدم في الدلالة بعد الإجماع بأنواعه الكتاب ويساويه في ذلك متواتر السنة لأنهما جميعا قاطعان من جهة المتن ولذلك جاز نسخ كل واحد منهما بالآخر ثم خبر الواحد ثم القياس هكذا قال في الروضة ومختصرها. وقال المرداوي في التحرير وتبعه الفتوحي في مختصره. يقدم بعد خبر الآحاد قول صحابي فالقياس فجعلا قول الصحابي مقدما على القياس وهو الحق وأما التصرف في الأدلة من حيث العموم والخصوص والإطلاق والتقييد ونحوه من حمل المجمل على المبين وأشباه ذلك فقد سبق في بابه.
فصل: وأما الترجيح فهو تقديم أحد طريقي الحكم لاختصاصه بقوة الدلالة ورجحان الدليل عبارة عن كون الظن المستفاد منه أقوى واستعمال الرجحان حقيقة إنما هو في الأعيان الجوهرية والأجسام تقول هذه الدينار أو الدرهم راجح على هذا لأن الرجحان من آثار النقل والاعتماد وهو من خواص الجواهر ثم استعمل في المعاني مجازا نحو هذا الدليل أو المذهب راجح على هذا وهذا الرأي أرجح من ذلك. وقال ابن الباقلاني لا يرجح بعض الأدلة على بعض كما لا يرجح بعض البينات على بعض وكلامه هذا ليس بشيء ومورد الترجيح إنما هو الأدلة الظنية من الألفاظ المسموعة والمعاني المعقولة كنصوص الكتاب والسنة وظواهرهما وكأنواع الأقيسة والتنبيهات المستفادة من النصوص فلا مدخل له في المذاهب من غير تمسك بدليل فلا يقال مذهب الشافعي مثلا أرجح من مذهب أبي حنيفة أو غيرهما أو بالعكس لكن هذا باعتبار مجموع مذهب على مجموع مذهب آخر وأما من حيث الأدلة على المسائل فالترجيح ثابت. ولا مدخل للترجيح أيضا في القطعيات لأنه لا غاية وراء القطعي وقولنا من الألفاظ المسموعة أردنا به نصوص الكتاب والسنة فيدخلها الترجيح فإذا تعارض نصان فأما أن يجهل تاريخهما أو يعلم فإن جهل قدمنا الأرجح منها ببعض وجوه الترجيح وإن علم تاريخهما فإما أن يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع أو لا فإن أمكن جمع