بينهما من حيث يصح الجمع إذ الواجب اعتبار أدلة الشرع جميعها ما أمكن وإن لم يمكن الجمع فالثاني ناسخ إن صح سندهما أو أحدهما كذب إن لم يصح سنده إذ لا تناقض بين دليلين شرعيين لأن الشارع حكم والتناقض ينافي الحكمة فأحد المتناقضين يكون باطلا إما لكونه منسوخا أو لكذب ناقله أو لخطئه بوجه ما من وجوه تصفح أمورهم في النقليات أو لخطأ الناظر في العقليات كالإخلال بشكل القياس أو شرطه ونحو ذلك.
وقد يختلف اجتهاد المجتهدين في النصوص إذا تعارضت فمنهم من يسلك طرق الترجيح ومنهم من يسلك طريق الجمع والصواب تقديم الجمع على الترجيح ما أمكن إلا أن يفضي الجمع إلى تكلف يغلب على الظن براءة الشرع منه ويبعد أنه قصده فيتعين الترجيح ابتداء. إذا علم هذا فاعلم أن الترجيح الواقع في الألفاظ إما أن يكون من جهة المتن أو السند أو القرينة. أما من جهة السند فيقدم المتواتر على الآحاد القطعية والأكثر رواة على الأقل ويقدم المسند على المرسل لأنه مختلف في كونه حجة والمرفوع على الموقوف والمتصل على المنقطع والمتفق عليه في ذلك على المختلف فيه ورواية المتقن والأتقن والضابط والأضبط والعالم والأعلم والورع والأورع والتقي والأتقى على غيرهم وصاحب القصة والملاب لها على غيره لاختصاصه بمزيد علم يوجب إصابته مثال رواية صاحب القصة حديث ميمونة رضي الله عنها:"تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال". فحديثها يقدم على حديث ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم ومثال حديث الملابس يعني المباشر للقصة حديث أبي رافع."تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما"فإنه يقدم على حديث ابن عباس وتقدم الرواية المتسقة المنتظمة على الرواية المضطربة والمتأخرة على المتقدمة ومعنى اتساق الرواية انتظامها وهو ارتباط بعض ألفاظها ببعض ووفاء الألفاظ بالمعنى من غير نقص مخل ولا زيادة مخلة واضطرابها تنافر ألفاظها واختلافها بالزيادة والنقص ومثال المتأخرة الحديث الصحيح كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار وأما تقديم رواية متقدم الإسلام على متأخره ففيه خلاف اختار القاضي والمجد والطوفي أنهما سواء وقال ابن عقيل والأكثر ترجح رواية متأخر الإسلام على متقدمه. قلت: وهو الصواب لأنه يحفظ آخر الأمرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمل أصحابنا في الفروع وفي تقديم رواية الخلفاء الأربعة خلاف