من أحسن الكتب فيه ومن أحسن شروحه شرح القرشي وللمسلمين مؤلفات لا تحصى في هذين الفنين ثم إن الفرنجة أخذوا هذين الفنين وهذبوهما ونقحوهما واختاروا أقرب الطرق وأدخلوهما في مدارسهما ثم إن علماء المسلمين أخذوا كتب الفرنجة وترجموها إلى لغاتهم وسلكوا فيهما طريقهم فانتشر انتشارا باهرا وهجرت كتب المسلمين في هذين الفنين حتى صار المشتغلون بفن الجبر يعتقدون أن هذا الفن من مخترعات علماء أوروبا ومن حقق الأمر وجده من مخترعات علماء الإسلام وذلك أنه عن لبعض حكمائهم تحليل المقدمة التي استعملها أرشميدس في الرابع من الثانية من الكرة والإسطوانة بالجبر فتأدى حلها إلى كعاب وأموال وأعداد متعادلة فلم يتفق له حلها بعد أن فكر فيها مليا فجزم بأنه ممتنع حتى تبعه أبو جعفر الخازن وحلها بالقطوع المخروطية ثم افتقر بعده جماعة من المهندسين إلى عدة أصناف منها فبعض تلك الأصناف حلل البعض الآخر.
الأمر الثاني: فن المساحة الذي هو فن من فنون الهندسة وهو فن يحتاج إليه في مسح الأرض ومعناه استخراج مقدار الأرض المعلومة بنسبة شبر أو ذراع أو غيرهما أو نسبة أرض من أرض إذا قويست بمثل ذلك. وهذا الفن يحتاج إليه المتفقه في مسألة الماء هل يبلغ قلتين أم لا على قول الشافعي وأحمد فيما إذا كان مكان الماء مدورا أو مثلثا أو مستطيلا أو كان على وضع من أوضاع أشكال الهندسة. وفي مسألة هل يبلغ سطح الماء عشرا في عشر على قول المتأخرين من الحنفية فيما إذا كان محل الماء على وضع من الأوضاع المذكورة ويحتاج إليه في قسمة الأرض المشتركة المتنازع فيها بين الشركاء ويحتاج إليه أيضا في توظيف الخراج على المزارع والفدن وبساتين الغراسة وفي قسمة الحوائط والأراضي بين الشركاء أو الورثة وأمثال ذلك وبالجملة فهو فن لا يستغني الناس عنه ويقبح بالمتفقه جهله.
الأمر الثالث: فن الميقات إذ به تعرف جهة القبلة للصلوات وتعرف به الأوقات وتصحيح الساعات المخترعة لمعرفة الأوقات وهذا يعرف بالاسطرلاب وللعمل به رسائل وكتب كثيرة وبالربعين المجيب والمقنطر ولهما أيضا رسائل وبآلات أخر مشهورة وأن يعرف من النجوم ما به يعرف القبلة وكان للفقهاء اعتناء زائد بهذا وهذا موفق الدين