وكل بدعة ضلالة"1، لكن من اتبع هواه هام في كل واد ولم يبال بأي شعب سلك ولا بأي طريق هلك فمن ثم جعلت شغلي كتاب الله تدريسا وتفسيرا أو بسنة نبيه المختار قراءة أيضا وشرحا وتحريرا فلله الحمد على هذه المنة وأسأله الثبات على ذلك وازدياد النعمة ثم إني زججت نفسي في بحار الأصول والفروع والبحث عن الأدلة حتى لا أكون منقادا لكل قائد ولا مقلدا تقليدا أعمى لمن يقوده فإن هذه حالة لا يرضى بها الصبيان فضلا عمن أوتي شيئا من العقل ثم سبرت المذاهب المتبوعة الآن وكثيرا من غير المتبوعة فوجدت كلا منهم قدس الله أسرارهم وجعل في عليين منازلهم قد اجتهد في طلب الحق ولم يأل جهدا في طلبه ولا قصر في اجتهاده بل قام بما عهد إليه حق القيام ونصح الأمة واجتنب كل ما يشين غير أن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه كان أوسعهم معرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلم من اطلع على مسنده المشهور وأكثرهم تتبعا لمذاهب الصحابة والتابعين فلذلك كان مذهبه مؤيدا بالأدلة السمعية حتى كأنه ظهر في القرن الأول لشدة اتباعه للقرآن والسنة إلا أنه كان رحمه الله تعالى لشدة ورعه ينهى عن كتابة كلامه ليبقي باب الاجتهاد لمن هو أهل له مفتوحا وليعلم القوم أن فضل الله لا ينقطع وأن خزائنه لم تنفذ على عكس ما يدعيه القاصرون وينتحله المبطلون ولحسن نيته قيض الله من دون فتاواه وجمعها ورتبها حتى صار له مذهب مستقل معدود بين الأئمة الذين دونوا وألفوا ثم هيأ الله له أتباعا وأصحابا سلكوا في رواياته مسلك الاجتهاد كما تعلمه مما سيأتي وألفوا في ذلك المطولات والمتوسطات والمختصرات فجزاهم الله خيرا غير أنهم تركوا اصطلاحات متفرقة في غضون الكتب لا يعلمها إلا المتقنون وسلكوا مسالك لا يدركها إلا المحصلون وأصاب هذا المذهب ما أصاب غيره من تشتت كتبه حتى آلت إلى الاندراس وأكب الناس على الدنيا فنظروا إليه فإذا هو منهل سنة وفقه صحيح لا مورد مال فهجره كثير ممن كان متبعا له رجاء طلب قضاء أو وظيفة فمن ثم تقلص ظله من بلادنا السورية وخصوصا في دمشق إلا قليلا وأشرق نوره في البلاد النجدية من جزيرة العرب وهب قوم كرام منهم لطبع كتبه وأنفقوا الأموال الطائلة"
1 رواه ابن ماجه في المقدمة، باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، والدارمي في المقدمة، باب: اتباع السنة، باب: في لزوم السنة، والترمذي في كتاب العلم باب: 16، وأحمد في"م4/ص 126".