وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صحابي ولا إجماع على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافق له على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس فأبو حنيفة قدم حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس على ما فيه من المقال بحيث إنه أجمع أهل الحديث على ضعفه وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه وقدم حديث:"أكثر الحيض عشرة أيام"1 وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقدم حديث لا مهر أقل من عشرة دراهم وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه على محض القياس فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضينا عليه جاز قليلا كان أو كثيرا وقدم الشافعي خبر تحريم صيدوج مع ضعفه على القياس وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد وقدم في أحد قوليه حديث:"من قاء أو رعف فليتوضأ أو ليبن على صلاته"2، على القياس مع ضعف الخبر وإرساله وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس الذي سنذكره.
الأصل الخامس: القياس كان الإمام أحمد يستعمله للضرورة على ما علمت مما سبق ففي كتاب الخلال عن أحمد قال سألت الشافعي عن القياس فقال إنما يصار إليه عند الضرورة أو ما هذا معناه فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاوى الإمام أحمد وعليها
1 رواه الزيلعي في نصب الراية"1: 192"، وابن حبان في المجروحين"1: 245"، وابن القيسراني في تذكرة الموضوعات"137".
2 رواه ابن ماجه في كتاب الإقامة، باب: ما جاء في البناء على الصلاة.