كراهة الشطرنج وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم وأما الشافعي: فإنه قال في اللعب بالشطرنج إنه لهو شبه الباطل أكرهه ولا يتبين لي تحريمه فقد نص على كراهته وتوقف في تحريمه فلا يجوز أن ينسب إليه ولا إلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه والحق أن يقال: إنه كرهها وتوقف في تحريمها فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته ومن هذا أيضا أنه نص على كراهة تزوج الرجل ابنته من ماء الزنا ولم يقل قط: إنه مباح ولا جائز والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين إن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله وقال تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء 38] وفي الصحيح"إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"1 فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله تعالى ورسوله ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعا أو قدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم 92] وقوله {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس 69] وقوله {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ} [الشعراء 210 211] وقوله على لسان نبيه:"كذبني ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغي له"2 وقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام"3 وقوله في لباس
1 رواه الدرامي في كتاب الرقاق، باب: إن الله كره لكم قيل وقال ، ومسلم في كتاب الأقضية، باب: 14، والبخاري في كتاب الرقاق، باب: ما يكره من قيل وقال ، وأحمد في"4/ص250".
2 رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} ، والنسائي في كتاب الجنائز، باب: 117.
3 رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: 293، وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في"م4/ص395".