التعصب ونظرت في كتب علماء الكلام الموثوق بهم بإنصاف وسبرت غورهم في عقائدهم تجدها راجعة إلى عقيدة السلف إما بالاضطرار وإما بصريح التصريح أو التلويح كما جرى لأبي الحسن الأشعري فإنه لما ألف الكتب في الرد على المعتزلة على طريقة فن الجدل أعلن أخيرا ببيان عقيدته في كتابه المسمى بالإنابة عن مذهب أهل الحق وصرح فيه بأن مذهبه مذهب الصحابة وتابعيهم بإحسان فمن فهم مقاصده أصبح سلفيا بحتا ومن لم يفهم موارده التقط مسائل كتبه التي رد بها على المعتزلة على علاتها وجعلها مذهبا له ونسبها إلى الأشعري وما رأيت أحدا من الأشاعرة كشف هذا المعنى ونادى بالصواب سوى الشيخ محمد بن يوسف السنوسي فإنه قال في شرح له صغير على عقيدته المشهورة المسماة بأم البراهين عند الكلام على صفة الكلام ما نصه وكنه هذه الصفة يعني صفة الكلام وسائر صفات الله جل وعز محجوب عن العقل كالذات العلية فليس لأحد أن يخوض في الكنه بعد ما يجب لذاته سبحانه أو لصفاته وما يوجد في الكتب من التمثيل بالكمال النفسي إنما هو للرد على المعتزلة حيث قالوا إن الكلام لا يوجد من غير حرف ولا صوت فقال أهل السنة إنا نجد لنا كلاما نفسيا بلا حرف ولا صوت وفيه من كلام الفصحاء.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.
وما قصدوا إلا التمثيل من حيث الحرف والصوت فقط أما الحقيقة فجلت صفات الله أن يماثلها شيء من صفات خلقه فإن كلامنا النفسي فيه حروف متعاقبة تنعدم وتحدث ويوجد فيه تقديم وتأخير وترتيب وغير ذلك فاعرف هذا فقد زلت هنا أقدام لم تؤيد بنور من الملك العلام هذا كلامه فقد صرح بالحق ولم يخش فيه لومة لائم ولي في هذا مسلك آخر وهو أن الأعيان إما جواهر وإما أعراض والكلام لا شك في أنه عرض يحتاج إلى محل يقوم به وهو الجوهر وهو يقتضي أن وجود الجوهر سابق على وجود العرض فإذا قلنا بالكلام النفسي لزم أن يكون ذلك العرض قائما بالجوهر وهو النفس ولزم منه إثبات النفس لله تعالى وحدوث الكلام ضرورة أن العرض حادث لا محالة وحينئذ فإما أن نبقي الكلام على ظاهره وندعي حدوث كلامه تعالى وثبوت النفسية له تعالى وهو خلاف المطلوب تنزيهه تعالى عن سمات الحوادث ويلزم منه أن الكلام صفة