الصفحة 106 من 236

عَضَل والقَارَةِ، الذين جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون من يفقِّههم في الدين، وأمرَّ عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فخرجوا يسيرون الليل ويكمنون النهار حتى إذا كانوا بالرجيع غدر بهم أولئك الرهط، ودلُّوا عليهم هذيلًا قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي كان قتله عبد الله بن أنيس، فنفروا إليهم فيما يقرب من مئتي رامٍ، واقتفوا آثارهم حتى قربوا منهم، فلما أحسَّ بهم رجال السرية لجؤوا إلى جبل هناك، فقال لهم الأعداء: انزلوا ولكم العهد ألّا نقتلكم، فنزل إليهم ثلاثة اغتروا بعهدهم، وقاتلهم الباقون، ومعهم عاصم غير راضين بالنزول في ذمة مشرك. ولما رأى الثلاثة الذين سلَّموا عينَ الغدر امتنع أحدهم فقتلوه، وأما الاثنان فباعوهما بمكة ممّن كان له ثأر عند المسلمين، وهناك قُتِلا. وقد قال أحدهما وهو خُبيب بن عدي حين أرادوا قتله:

وَلَسْتُ أُبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... على أَيِّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعي

وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإِنْ يَشَأْ ... يُبَاركْ على أَوصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ1

سرية بئر معونة

وفي صَفَر وفد على رسول الله أبو براء عامر بن مالك مُلاعِبُ الأسنّة، وهو من رءوس بني عامر، فدعاه عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، بل قال: إني أرى أمرك هذا حسنًا شريفًا ولو بعثتَ معي رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوتُ أن يستجيبوا لك، فقال عليه الصلاة والسلام:"إني أخشى عليهم أهل نجد". فقال أبو براء عامر: أنا لهم جار، فأرسل معه المنذر بن عمرو في سبعين من أصحابه كانوا يُسَمَّون القرَّاء لكثرة ما كانوا يحفظون من القرآن، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حَرَام بن مِلحان بكتاب إلى عامر بن الطفيل سيدِ بني عامر، فلما وصل إليه لم يلتفت إلى الكتاب بل عدا على حَرَام فقتله، ثم استصرخ على بقية البعثة أصحابه من بني عامر فلم يرضوا أن يخفروا جوار ملاعب الأسنة، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم، وهم رِعْلٌ وذَكوان وعُصَيَّة فأجابوا وذهبوا معه، حتى إذا التقوا بالقرَّاء أحاطوا بهم، وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم، بعد دفاع شديد لم يُجْدِهم نفعًا لقلّة عددهم وكثرة عدوهم، ولم ينجُ إلا كعب بن زيد، وقع بين

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج3 ص 323 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت