القتلى حتى ظُنَّ أنه منهم، وعمرو بن أمية كان في سَرْح القوم. وَأُبْلِغَ عليه الصلاة والسلام خبر القراء فخطب في أصحابه، وكان فيما قال:"إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم، وإنهم قالوا: ربنا بلِّغ قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضينا عنه ورضي عنّا"، وكان وصول خبر هذه السرية وسرية الرجيع في يوم واحد، فحزن عليهم صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا، وأقام يدعو على الغادرين بهم شهرًا في الصلاة1.
عزوة بني النَّضِير
يا لله، ما أسوأ عاقبة الطيش، فقد تكون الأمة مرتاحة البال، هادئة الخواطر، حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر، يظنون من ورائه النجاح، فيجلب عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم، وهذا ما حصل ليهود بني النضير حلفاء الخزرج، الذين كانوا يجاورون المدينة، فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود يأمن بها كلٌّ منهم الآخر، ولكن بنو النضير لم يوفوا بهذه العهود حسدًا منهم وبغيًا. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض من أصحابه في ديار بني النضير إذ ائتمر جماعة منهم على قتله بأن يأخذ واحدٌ منهم صخرةً ويلقيها عليه من علو، فأُطلع عليه الصلاة والسلام على قصدهم، فرجع وتبعه أصحابه، ثم أرسل لهم محمد بن مسلمة يقول لهم:"اخرجوا من بلادي فقد هممتم بما هممتم من الغدر". إذ الحزم كل الحزم ألا يتهاون الإنسان مع مَنْ عُرف منه الغدر، فتهيأ القوم للرحيل، فأرسل لهم إخوانهم المنافقون يقولون: لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} [الحشر: 11، 12] ولكن اليهود طمعوا بهذا الوعد، وتأخروا عن الجلاء، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتهيؤ لقتالهم، فلما اجتمع الناس، خرج بهم، واستعمل على المدينة ابن أُم مكتوم، وأعطى رايته عليًّا. أما بنو النضير فتحصَّنوا في حصونهم وظنوا أنها مانعتهم من الله، فحاصرهم عليه الصلاة والسلام ست ليالٍ، ثم أمر بقطع نخيلهم ليكون أدعى إلى تسليمهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب ولم يروا من عبد الله بن أُبَيّ مساعدة، بل خذلهم، كما خذل بني قينقاع من قبلهم، فسألوا رسول الله أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم، وأن
ـــــــ
1 السيرة النبوية: ج4 ص 137. ودلائل النبوة: ج3 ص 338 وما بعدها، وص 345.