بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه، وأنهم قتلوا جاسوسه، خاف هو وجيشه خوفًا شديدًا حتى تفرق عنه بعضهم، ولما وصل المسلمون إلى الْمُرَيْسِيع1
تَصَافَّ الفريقان للقتال، بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالا للهرب، بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذرية، واستاقوا الإبل والشياه، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف، واستعمل الرسول على ضبطها مولاه شُقران، وعلى الأسرى بُرَيدة. وكان في نساء المشركين بَرَّة بنت الحارث سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا بنتٍ أسرى وُزِّعَتْ على المسلمين، وهنا يظهر حُسْن السياسة ومنتهى الكرم، فإن بني المصطلق من أعزِّ العرب دارًا فأسْرُ نسائهم بهذه الحال صعب جدًّا، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل المسلمين يَمُنُّونَ على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوج برّة بنت الحارث التي سمّاها جُوَيْرِيَةَ، فقال المسلمون: أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم في أيدينا فمنّوا عليهم بالعتق، فكانت جويريةُ أيمنَ امرأةٍ على قومها كما قالت عائشة رضي الله عنها، وتسبَّب عن هذا الكرم العظيم وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم.
وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان، لولا أنْ صاحَبَتْهُما حكمةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعادتا التفريق على المسلمين.
فأولاهما: أن أجيرًا لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج، فضرب الأجيرُ الحليف حتى سال دمه، فاستصرخ بقومه الخزرج، واستصرخ الأجير بالمهاجرين، فأقبل الذعر من الفريقين، وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله فقال:"ما بال دعوى الجاهلية؟"وهي ما يقال في الاستغاثة: يا لَفُلان. فأخبر الخبر، فقال:"دَعُوا هذه الكلمة فإنها منتنة"، ثم كلم المضروبَ حتى أسقط حقه وبذلك سكنت الفتنة، فلما بلغ عبد الله بن أُبَيّ هذا الخصام غضبَ، وكان عنده رهط من الخزرج، فقال: ما رأيت كاليوم مذلّة أوقد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأوَّل: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى
ـــــــ
1 المريسيع: ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم. وبه سميت هذه الغزوة أيضًا. واختلف في تاريخها في شعبان سنة خمس أو شعبان سنة ست. انظر دلائل النبوة: ج4 ص44.