الصفحة 112 من 236

الْمَدِيْنَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] ، ثم التفت إلى مَنْ معه، وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله، لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضًا للمنايا دون محمد فأيتمتم أولادكم، وَقَلَلْتُم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى يَنْفَضُّوا من عنده، وكان في مجلسه شاب حديثُ السن، قوي الإسلام، اسمه زيد بن أرقم، فأخبر رسول الله الخبر فتغير وجهه، وقال:"يا غلام، لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت؟"فقال: والله، يا رسول الله لقد سمعته. قال:"لعله أخطأ سمعك"، فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن أُبَيّ أو أن يأمر أحدًا غيره بقتله فنهاه عن ذلك. وقال:"كيف يا عمر إذا تحدث الناسُ أن محمدًا يقتل أصحابه؟"ثم أذن بالرحيل في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتد الحر يقصد بذلك عليه الصلاة والسلام شَغْلَ الناس عن التكلم في هذا الموضوع، فجاءه أسيد بن حُضير وسأله عن سبب الارتحال في هذا الوقت، فقال:"أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجعَ إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل". قال: أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئتَ، هو والله الذليلُ وأنت العزيزُ، ثم سارَ عليه الصلاة والسلام بالناس سيرًا حثيثًا حتى آذتهم الشمس، فنزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مَسَّ الأرض حتى وقعوا نيامًا.

وكلّم رجالٌ من الأنصار عبدَ الله بن أُبَيّ1 في أن يطلب من الرسول الاستغفار فلوى رأسه واستكبر. وهنا نزل على الرسول سورةُ المنافقين التي فضحت عبد الله بن أُبَيّ وإخوانه وصدَّقت زيد بن أرقم. ولما بلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ، استأذن رسول الله في قتل أبيه حذرًا من أن يُكَلَّف بذلك غيره، فيكون عنده من ذلك أضغان وأحقاد، فأمره عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى أبيه.

حديث الإفك

النادرة الثانية: وهي أفظعُ من الأولى وأجلبُ منها للمصائب، وهي رميُ عائشة الصديقة، زوج رسول الله بالإفك، فاتَّهموها بصفوان بن المعَطَّل السلمي، وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن عليه الصلاة والسلام ليلة بالرحيل، وكانت السيدة عائشة قد

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج4 ص 52 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت