الصفحة 127 من 236

غزوة بني لِحيان

بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصم بن ثابت وإخوانه، ولم يزل رسول الله حزينًا عليهم متشوقًا للقصاص من عدوهم حتى ربيع الأول من هذه السنة، فأمر أصحابه بالتجهز، ولم يُظهر مقصده كما هي عادته عليه الصلاة والسلام في غالب الغزوات، لتعمى الأخبار عن الأعداء، وولى على المدينة ابن أم مكتوم، وسار في مائتي راكب معهم عشرون فرسًا، ولم يزل سائرًا حتى مقتل أصحاب الرجيع، فترحم عليهم ودعا لهم، ولما سمع به بنو لحيان تفرقوا في الجبال، فأقام عليه الصلاة والسلام بديارهم يومين يبعث السرايا فلا يجدون أحدًا، ثم أرسل بعضًا من أصحابه ليأتوا عُسْفَان حتى يعلم بهم أهل مكة فيُداخلهم الرعب، فذهبوا إلى كُرَاع الغميم، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وهو يقول:"آيبون، تائبون، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال"1.

غزوة الغابة

كان للنبي عليه الصلاة والسلام عشرون لِقْحَة2 ترعى بالغابة3، فأغار عليها عُيينة بن حصن في أربعين فارسًا واستلبها من راعيها، فجاءت الأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي بلغه هو سَلَمَةُ بن الأكوع، أحد رماة الأنصار، وكان عَدَّاءً فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى يدركهم المسلمون، فخرج يشتد في أثرهم حتى لحقهم، وجعل يرميهم بالنبل، فإذا وجّهت الخيل نحوه رجع هاربًا، فلا يُلحق، فإذا دخلت الخيل بعض المضايق علا الجبل، فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيرًا مما بأيديهم من الرماح والأبراد ليخففوا عن أنفسهم، حتى لا يلحقهم الجيش، ولم يزل سلمة على ذلك حتى تلاحق به الجيش، فإن الرسول دعا أصحابه فأجابوه، وأول من انتهى إليه المقداد بن عمرو، فقال له:"اخرج في طلب القوم حتى ألحقك"وأعطاه اللواء فخرج، وتبعته الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو، فحصلت

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج3 ص 364 وما بعدها.

2 اللقحة: الناقة ذات در وحلب.

3 الغابة: موضع قريب من المدينة جهة بلاد غطفان. انظر دلائل النبوة: ج3 ص303 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت