الصفحة 13 من 236

لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة الحميدة، والفعال السديدة من الحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والتواضع، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، حتى شهد له بذلك أَلدُّ أعدائه النضر بن الحارث من بني عبد الدار حيث يقول: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحر، لا والله! ما هو بساحر. قال ذلك في معرض الاتفاق على ما يقولونه للعرب الذي يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين على قول مقبول يقولونه. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قائلا: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله. ورد ذلك في أول صحيح البخاري1.

وقد حفظه الله في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء شرعه الشريف بضدها وبُغِّضَتْ إليه الأوثان بغضًا شديدًا حتى ما كان يحضر لها احتفالا أو عيدًا مما يقوم به عُبَّادها، وقال عليه الصلاة والسلام:"لما نشأت بُغِّضَتْ إلي الأوثان، وبُغِّض إلي الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمني الله برسالته. قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفًا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ولم أقض شيئًا، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك"2. وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل ما ذبح على النصب وحرم شرب الخمر على نفسه مع شيوعه في قومه شيوعا عظيما، وذلك كله من الصفات التي يحلي الله بها أنبياءه ليكونوا على تمام الاستعداد لتلقي وحيه، فهم معصومون من الأدناس قبل النبوة وبعدها، أما قبل النبوة فليتأهلوا للأمر العظيم الذي سيسند إليهم، وأما بعدها فليكونوا قدوة لأممهم، عليهم من الله أفضل الصلوات وأتم التسليمات.

ـــــــ

1 كتاب بدء الوحي ص7 من صحيح البخاري.

2 انظر دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، القاهرة، ط /1/ 1988م/: ج2 ص33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت