الصفحة 12 من 236

منه، لأنهم لو وجدوا أغنياء لألهتهم الدنيا وشغلوا بها عن السعادة الأبدية، ولذلك ترى جميع الشرائع الإلهية متفقة على استحسان الزهد فيها والتباعد عنها، وحال الأنبياء السالفين أعظم شاهد على ذلك، فكان عيسى عليه السلام أزهد الناس في الدنيا، وكذلك كان موسى، وإبراهيم، وكانت حالتهم في صغرهم ليست سعة بل كلهم سواء؛ تلك حكمة بالغة أظهرها الله على أنبيائه ليكونوا نموذجًا لمتبعيهم في الامتناع عن التكالب على الدنيا والتهافت عليها، وذلك سبب البلايا والمحن، وكذلك رعاية الغنم، فما من نبي إلا رعاها كما أخبر عن ذلك الصادق المصدوق في حديث للبخاري1، وهذه أيضًا من بالغ الحكم فإن الإنسان إذا استرعى الغنم -وهي أضعف البهائم- سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفًا، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان لما هذب أولا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي، فيكون في أعدل الأحوال، ولما شب عليه الصلاة والسلام كان يتجر، وكان شريكه السائب بن أبي السائب، وذهب بالتجارة لخديجة -رضي الله عنها- إلى الشام على جعل يأخذه، ولما شرفت خديجة بزواجه، وكانت ذات يسار، عمل في مالها وكان يأكل من نتيجة عمله2. وحقق الله ما امتن عليه به في سورة الضحى بقوله جل ذكره: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 6-8] بالإيواء والإغناء قبل النبوة والهداية بالنبوة، هداه للكتاب3 والإيمان ودين إبراهيم عليه السلام ولم يكن يدري ذلك قبل. قال تعالى في سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]

سيرة في قومه قبل البعثة:

كان عليه الصلاة والسلام أحسن قومه خلقا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأكرمهم مخالطة، وخيرهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، فسموه الأمين

ـــــــ

1 انظر صحيح البخاري في باب رعي الغنم على قراريط، تحقيق البغا: ص 789.

2 سيرة ابن هشام: ج2 ص5 وما بعدها.

3 الكتاب في آية الشورى بمعنى الكتابة، ولا يعني هذا أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتب بل هذا إعلام بمرتبة الرسول بتيسير الأمر له ولسائر المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت