ودام بينهم هذا الخصام أربع ليالٍ، وكان أسن رجل في قريش إذ ذاك أبو أمية بن المغيرة المخزومي عم خالد بن الوليد فقال لهم: يا قوم! لا تختلفوا وحكموا بينكم من ترضون بحكمه. فقالوا: نَكِل الأمر لأول داخل. فكان هذا الداخل هو الأمين المأمون عليه الصلاة والسلام، فاطمأن الجميع له لما يعهدونه فيه من الأمانة وصدق الحديث وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد؛ لأنهم كانوا يتحاكمون إليه إذ كان لا يداري ولا يماري،1 فلما أخبروه الخبر بسط رداءه وقال:"لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب". ثم وضع فيه الحجر وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه فأخذه ووضعه فيه وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرًا ما يكون أمثالها سببًا في انتشار حروب هائلة بين العرب، لولا أن يَمَنَّ الله عليهم بعاقل مثل أبي أمية يرشدهم إلى الخير، وحكيم مثل الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بما يرضي جميعهم. ولا يستغرب من قريش تنافسهم هذا، لأن البيت قبلة العرب وكعبتهم التي يحجون إليها، فكل عمل فيه عظيم به الفخر والسيادة، وهو أول بيت وضع للعبادة بشهادة القرآن الكريم، قال تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96، 97] . وكان يلي أمره بعد ولد إسماعيل قبيلة جرهم فلما بغوا وظلموا من دخل مكة اجتمعت عليهم خزاعة وأجلوهم عن البيت، ووليته خزاعة حينًا من الدهر، ثم أخذته منهم في عهد قصي بن كلاب، وبسببه أمنوا في بلادهم، فكانت قبائل العرب تهابهم، وإذا احتموا به كان حصنًا أمينًا من اعتداء العادين، وامتن الله عليهم بذلك في تنزيله، فقال في سورة العنكبوت: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] .
معيشته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة:
لم يرث عليه الصلاة والسلام من والده شيئًا، بل ولد يتيمًا عائلًا فاسترضع في بني سعد، ولما بلغ مبلغًا يمكنه أن يعمل عملًا كان يرعى الغنم مع إخوته من الرضاع في البادية، وكذلك لما رجع إلى مكة كان يرعاها لأهلها على قراريط كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه، ووجود الأنبياء في حال التجرد عن الدنيا ومشاغلها أمر لا بد
ـــــــ
1 من المِراء: وهو جدل بغير حق.