المسلمين1، حتى إذا كانوا في الليلة السادسة، ظفر حارس الجيش، وهو عمر بن الخطاب، بيهودي خارج في جوف الليل، فأتى به رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما أدرك الرجل الرعب قال: إن أَمَّنْتُمُوني أدلكم على أمر فيه نجاحكم. فقالوا: دُلّنا فقد أمَّنَّاك، فقال: إن أهل هذا الحصن أدركهم الملال والتعب، وقد تركتهم يبعثون بأولادهم إلى حصن الشق، وسيخرجون لقتالكم غدًا، فإذا فتح عليكم هذا الحصن غدًا فإني أدلكم على بيت فيه منجنيق ودبابات ودروع وسيوف، يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون، فإنكم تنصبون المنجنيق، ويدخل الرجال تحت الدبابات، فينقبون الحصن فتفتحه من يومك، فقال عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة:"سأعطي الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله ويحبانه"فبات المهارجرون والأنصار كلهم يتمنونها، حتى قال عمر بن الخطاب: ما تمنيت الإمارة إلا ليلتئذ.
فلما كان كان الغد سأل عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب فقيل له: إنه أرمد، فأرسل من يأتيه به، ولما جاء تَفَلَ في عينيه فشفاهما الله كأن لم يكن بهما شيء، ثم أعطاه الراية، فتوجه مع المسلمين للقتال، وهناك وجدوا اليهود متجهزين، فخرج يهودي يطلب البِرَاز فقتله علي، ثم خرج مَرْحَب، وهو أشجع القوم، فألحقه برفيقه، فخرج أخوه ياسر، فقتله الزبير بن العوام، ثم حمل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم، وتبعوهم حتى دخلوا الحصن بالقوة وانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه وهو حصن الصَّعْب، وغنم المسلمون من حصن ناعم كثيرًا من الخبز والتمر، ثم تتبعوا اليهود إلى حصن الصعب، فقاتل عنه اليهود قتالا شديدًا حتى ردّ عنه المسلمون، ولكن ثبت الحباب بن المنذر ومن معه وقاتلوا قتالًا شديدًا حتى هزموا اليهود، فتبعوهم حتى افتتحوا عليهم الحصن، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام فأمر عليه الصلاة والسلام مناديًا يقول:"كلوا واعلفوا دوابكم ولا تأخذوا شيئًا".
ثم إن الذين انهزموا من هذا الحصن ساروا إلى حصن قُلَّة، فتبعهم المسلمون، وحاصروهم ثلاثة أيام حتى استصعب عليهم فتحه، وفي اليوم الرابع دلهم يهودي على جداول الماء التي يستقي منها اليهود، فمنعوها عنهم، فخرجوا، وقاتلوا قتالًا شديدًا
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج4 ص205 وما بعدها.